عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
29
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
الباب الرابع في زيادة الطاعة من طريق القدرة اعلم يا بنى أن الله عز وجل فرض فريضتين خاصتين بأهل النعمة والموسرين ، وهما : الزكاة والحج . وأمر بأن يزور بيته كل من له ثروة وقدرة ، ولم يفرض الحج على من ليس لهم مال واستطاعة ، ألا ترى في دنيا المعاملة أن أبواب الملوك يستطيع اجتيازها أرباب الثراء أيضا ؟ ثم إن اعتماد الحج على السفر ، وتكليف غير القادرين ليس من المعرفة ، لأن السفر بغير مكنة يكون من التهلكة ، وإذا لم تسافر عند القدرة لا تكون قد حصلت متع الدنيا ولذة نعيمها كاملة ، فإن تمام اللذات في أن ترى ما لا يرى ، وتأكل ما لا يؤكل ، وتجد ما لا يوجد ، وهذا لا يكون في غير السفر ، إذ إن أهل السفر ذوو خبرة ومجربون وسعداء الأيام ومطلعون ؛ لكونهم رأوا ما لا يرى وسمعوا ما لا يسمع ، كما قيل في العربية ( ليس الخبر كالمعاينة ) فقدر الخالق السفر على أصحاب النعمة ، ليؤدوا حقه ، ويأكلوا باستحقاق نعمته ، ويمتثلوا أمر الله سبحانه ، ويزوروا بيته ولم يأمر الفقير المعدم غير القادر ، كما قلت : رباعي إذا لم يدعني الحبيب ولم يجلسنى معه ، واستحى من فقرى * كذلك فهو معذور ؛ لأن بارئ الكونين ، لم يدع الفقراء إلى بيته * * * واعلم يا بنى أن الفقير إذا حج ، يكون قد ألقى بنفسه في الهلكة ؛ لأن الفقير الذي يعمل عمل الأغنياء مثل المريض الذي يعمل عمل الأصحاء وقعته تشبه قصة ذلك الحاج . الحكاية سمعت أنه في وقت ما ، قصد رئيس بخارى الحج ، وكان رجلا ذا نعمة ويسار ، ولم يكن في تلك القافلة أحد أعز منه جانبا ، وكان يحمل أحماله أكثر من مائة جمل . فجلس في الهودج متبخترا متدللا ، وقد رافقه قوم من الفقراء والأغنياء ، فلما اقترب من عرفات ، كان درويش يغدو حافى